الغزالي

33

إحياء علوم الدين

وعن أبي محمد المغازلي قال : جاور أبو محمد الجريري بمكة سنة ، فلم ينم ، ولم يتكلم ، ولم يستند إلى عمود ولا إلى حائط ، ولم يمد رجليه . فعبر عليه أبو بكر الكتاني ، فسلم عليه وقال له : يا أبا محمد ، بم قدرت على اعتكافك هذا ؟ فقال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري فأطرق الكتاني ومشى مفكرا وعن بعضهم قال : دخلت على فتح الموصلي ، فرأيته قد مدّ كفيه يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه . فدنوت منه ، فإذا دموعه قد خالطها صفرة . فقلت ولم باللَّه يا فتح بكيت الدم ؟ فقال لولا أنك أحلفتنى باللَّه ما أخبرتك نعم بكيت دما فقلت له : على ما ذا بكيت الدموع ؟ فقال على تخلفي عن واجب حق الله تعالى . وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ما صحت لي الدموع . قال : فرأيته بعد موته في المنام فقلت : ما صنع الله بك ؟ قال غفر لي . فقلت له فما ذا صنع في دموعك ؟ فقال : قربني ربي عز وجل وقال لي : يا فتح الدمع على ما ذا ؟ قلت يا رب على تخلفي عن واجب حقك . فقال والدم على ما ذا ؟ قلت على دموعي أن لا تصح لي . فقال لي : يا فتح ما أردت بهذا كله ؟ وعزتي وجلالي لقد صعد حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة وقيل إن قوما أرادوا سفرا ، فحادوا عن الطريق ، فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه ، فأشرف عليهم من صومعته ، فقالوا يا راهب ، إنا قد أخطأنا الطريق ، فكيف الطريق ؟ فأومأ برأسه إلى السماء . فعلم القوم ما أراد . فقالوا يا راهب ، إنا سائلوك فهل أنت مجيبنا ؟ فقال سلوا ولا تكثروا ، فإن النهار لن يرجع ، والعمر لا يعود ، والطالب حثيث . فعجب القوم من كلامه فقالوا : يا راهب ، علام الخلق غدا عند مليكهم ؟ فقال على نياتهم . فقالوا : أوصنا . فقال : تزودوا على قدر سفركم ، فإن خير الزاد ما بلَّغ البغية . ثم أرشدهم إلى الطريق ، وأدخل رأسه في صومعته وقال عبد الواحد بن زيد : مررت بصومعة راهب من رهبان الصين ، فناديته يا راهب فلم يجبني ، فناديته الثانية فلم يجبني ، فناديته الثالثة فأشرف علي وقال : يا هذا ما أنا براهب ، إنما الراهب من رهب الله في سمائه ، وعظمه في كبريائه ، وصبر على بلائه ، ورضي بقضائه م 5 : خامس عشر - إحياء